مما لا يخفى على احد سواء من المختصين او افراد المجتمع عموما ما تشكله امراض السرطان من عبء كبير على المنظومة الصحية والاجتماعية على المستويين المحلي و العالمي. وحسب آخر دراسة صدرت عام 2021 الجاري من قبل المعهد الوطني للسرطان (NCI) والوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية (WHO)؛ فأن سنة 2020 شهدت عالميا تسجيل (9.6 مليون) حالة وفاة جراء الامراض السرطانية من أصل (18.1 مليون) حالة سرطان مشخصة. ويتصدر سرطان الرئة بكونه القاتل الأول والسبب الرئيس للوفيات بالأمراض السرطانية من بين كل الامراض السرطانية المشخصة والمعروفة، بينما تمثل سرطانات الثدي والبروستات الأكثر شيوعا بين الاناث والذكور على التوالي.

كما اضافت جائحة COVID-19 عبء إضافي على المنظومة الصحية لكافة دول العالم. حيث أشارت الدراسات الحالية إلى أن مرضى COVID-19 المصابين بالسرطان كانوا أكثر عرضة للإصابة بمضاعفات خطيرة أو الوفاة من أولئك غير المصابين بالسرطان ، وخاصة الأفراد المصابين بسرطان الرئة وأمراض الدم. وتوقعت اخر الدراسات أن تؤدي جائحة COVID-19 إلى زيادة وفيات السرطان على المدى الطويل بسبب التشخيص المتأخر. وقد قدر المعهد الوطني للسرطان (NCI) أن التأخير في التشخيص سيؤدي إلى وفيات إضافية بزيادة قدرها 5٪ في الوفيات الناجمة عن سرطان الرئة.

 وبالرغم من ان الجهود المبذولة للوقاية من السرطان والتشخيص والعلاج من الأمور الحتمية ، ولكنها تتطلب فهمًا أكثر شمولاً للأسس الجينية والجزيئية أكثر مما نمتلكه حاليًا لنشوء وتطور الامراض الخبيثة. في حين أن الدراسات الجزيئية التي أجريت سواء على مستوى التوائم المتماثلة أو العوائل او حتى المجاميع السكانية الغير مترابطة وراثيا  قد أظهرت قابلية وراثية كبيرة للإصابة بالعديد من الامراض السرطانية ، إلا أن مدى التنوع الجيني وفرادته ضمن الأنواع المختلفة من امراض السرطان لا يزال غير مفهوم تماما.

وفي هذا الاتجاه ادركنا أهمية التأسيس لتصميم طراز خطورة عراقي للتنبؤ بحدوث سرطان الرئة لدى الأفراد. حيث تم في عام 2016 البدء بإقامة تعاون علمي بحثي رصين مع فريق مشروع رئة ليفربول Liverpool Lung Project (LLP) في جامعة ليفربول البريطانية من خلال موقعنا كباحث شرف مشارك Honorary Research Associate بعد الحصول على درجة الدكتوراه من ذات الجامعة في مجال علم الحياة الجزيئي والسريري للسرطان في عام 2015. حيث تم العمل على تأسيس مشروع يهدف الى تطوير طراز خطورة للتنبؤ بسرطان الرئة خلال السنين المتقدمة من حياة الفرد العراقي قيد الكشف. وقد تم العمل على تشكيل فريق بحثي واستشاري مكون من علماء باحثين وأطباء استشاريين من جامعة بغداد ووزارة الصحة العراقــية مع نظرائهم من جامـعة ليـفربول البريطـانية تحــت مظلة مشـــروع العـــراق لـرئة صـحـية  Iraq Healthy Lung Project  (IHLP).  وفي هذا الاطار تم مؤخرا عقد مذكرة تفاهم بين جامعتي بغداد وليفربول لتكون الأساس القانوني والإداري للمشروع.

 ونعمل حاليا عل ان يكون المركز الوطني الريادي لبحوث السرطان هو نقطة ارتكاز لتنفيذ هذا المشروع. حيث يعتبر هذا العمل البحثي ذا أهمية بالغة لمؤسساتنا الصحية اذا ما تم إنجازه. حيث ان التنبؤ بالأفراد الذين لديهم احتمالية كبيرة في ان يطوروا سرطان الرئة خلال سنيين حياتهم القادمة سيمكن هذه المؤسسات من وضع هؤلاء الافراد تحت المراقبة الطبية الدورية من خلال اجراء المسح المقطعي واطئ الجرعة LDCT والتحري عن الدلائل الجزيئية للتنبؤ بسرطان الرئة. وبالتالي سيوفر هذا المشروع على المنظومة الصحية الكثير من العمل والجهد والكلفة في معالجة هؤلاء الأفراد اذا ما تم تشخيصهم في مراحل متأخرة حيث تكون احتمالية الشفاء من هذا الداء الخبيث قليلة جدا او معدومة.

الاستاذ المساعد الدكتور أحمد سالم الخفاجي

مدير المركز الوطني الريادي لبحوث السرطان

جامعة بغداد